جمال الدين بن نباتة المصري

173

سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون

وقد قامت الحرمة وتمّ المراد . فأعجب عبد الملك فقال : إن شرطيّكم لجلد ، ثم أقرّه على ما هو عليه . ولمّا طال القتال والحصار بينه وبين زفر بن الحارث أرسل عبد الملك رجاء بن حياة وجماعة منهم الحجّاج إلى زفر بكتاب يدعوه إلى الصّلح ، فأتوه بالكتاب وقد حضرت الصلاة ، فقام رجاء فصلّى مع زفر وصلّى الحجّاج وحده ، فسئل عن ذلك فقال : لا أصلّى مع منافق خارج « 1 » عن طاعة أمير المؤمنين « 1 » ، فسمع عبد الملك بذلك فزاد عجبا بالحجاج ، ورفع قدره « 2 » ، وولّاه بلدا تسمى تبالة « 3 » - وهي أوّل ما ولّى - فخرج إليها ، فلمّا قرب سأل عنها ، فقيل : إنها وراء هذه الأكمة ، فقال : أفّ لبلدة تسترها أكمة ! فرجع ، فقيل في المثل : « أهون من تبالة على الحجّاج » . ثم قدم على عبد الملك ملازما خدمته ، فلمّا فرغ عبد الملك من قتال مصعب ابن الزّبير ، ورجع إلى الشّام قال : من لابن الزبير ؟ يعنى عبد اللّه القائم بمكة والحجاز - وندب الناس إلى قتاله ، فقام الحجّاج فقال : يا أمير المؤمنين ، أنا له ؛ فقال : أقعدتم ! ثم قال : من لابن الزبير فقام الحجاج ، فقال : يا أمير المؤمنين ، ابعثنى إليه ، فلقد رأيت في المنام كأنّى أخذته فسلخته وجرّدته من جلده . فبعثه إليه ، وجهّز معه جيشا فقدم إلى مكّة ، ونصب المنجنيق على الكعبة ، وفعل ما فعل من « 4 » قتل ابن الزّبير ، وصفت الخلافة لعبد الملك . فسرّ باجتهاده ، وأرسل إليه عهده على مكّة والمدينة والطّائف ؛ فاستخفّ بأهل الحرمين وأهانهم ، ثم كتب إلى عبد الملك يقول : إني قد حزت الحجاز بشمالي ، وبقيت يميني فارغة - يعرّض بالعراق - فبعث إليه عهده على العراق . وهذا أحد الأقوال في سبب ولايته العراق .

--> ( 1 - 1 ) ط : « خارج على أمير المؤمنين وعن طاعته » . ( 2 ) ت : « يده » . ( 3 ) تبالة الحجاج ، : بلدة مشهورة من أرض تهامة في طريق اليمن . ياقوت . ( 4 ) ط : « حتى » .